ملا محمد مهدي النراقي

15

جامع السعادات

الرحال من المواضع البعيدة إليه ليقتدي به ، ومثله كلما وجد في نفسه قصد التقرب والثواب في الذهاب إلى المسجد للإمامة ذهب ولو لم يجد ذلك من نفسه تخلف ، وصلى منفردا ، وهو الذي يستوي عنده اقتداء الناس به وعدمه ، ويستوي عنده كثرة المقتدين وقلتهم ، بل يكون حاله عند صلاته وهو إمام لجم غفير كحاله عند صلاته منفردا ، من دون أن يجد في نفسه تفاوتا في الحالين . وبالجملة : أصناف غرور أهل العلم - ( لا ) سيما في هذه الأعصار - كثيرة ، والتأمل يعلم أن الغرور أو التلبيس أو غيرهما من ذمائم الأفعال انتهى في بعضهم إلى أن وجودهم مضر بالإسلام والمسلمين وموتهم أنفع للإيمان والمؤمنين ، لأنهم دجالو الدين وقوامو مذهب الشياطين ، ومثلهم كما قال عيسى ابن مريم ( ع ) : ( العالم السوء كصخرة وقعت في فم الوادي فلا هي تشرب الماء ولا هي تترك الماء يتخلص إلى الزرع ) . الطائفة الرابعة الوعاظ والمغترون منهم كثيرون : ( فمنهم ) من يتكلم في وعظه في أخلاق ، النفس وصفات القلب ، من الخوف ، والرجاء ، والتوكل ، والرضاء ، والصبر ، والشكر ، ونظائرها ، ويظن أنه إذ ا تكلم بهذه الصفات ودعا الخلق إليها صار موصوفا بها ، وهو منفك عنها في الواقع ، إلا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين ، ويزعم أن غرضه إصلاح الخلق دون أمر آخر ، ومع ذلك لو أقبل الخلق على أحد من أقرانه وصلحوا على يديه ، وكان أقوى منه في الإرشاد والاصلاح لمات غما وحسدا ، ولو أثنى أحد المترددين عليه على بعض أقرانه ، لصار أبغض خلق الله إليه . و ( منهم ) من أشتغل بالشطح والطامات ، وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعقل ، وربما كلف نفسه بالفصاحة والبلاغة ، وتصنع التشبيهات والمقدمات ، وشغف بطيارات النكت وتسجيع الألفاظ وتلفيقها ، طلبا للأعوان والأنصار ، وشوقا إلى تكثر البكاء والرقة والتواجد والرغبات